حبيب الله الهاشمي الخوئي
20
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
لكنّا نحتاج في أفعالنا إلى حركة واستعمال آلة ، على أنّ علمنا وإرادتنا زايدة على ذواتنا ، فاللَّه تعالى أولى بأن لا يلحقه تغيّر من صنعه وإنّما قال : خلق ما ابتدء ليكون سلب الاعياء عنه أبلغ إذ ما ابتدء من الأفعال يكون المشقة فيها أتمّ إذ الأفعال ربّما يكون بسبب اعتياد الفاعل أقلّ اتعابا وإعياء ، وتدبيره تعالى لما ذرء يعود إلى تصريفه لجميع الذّوات والأفعال والصّفات تصريفا كلَّيا وجزئيّا على وفق حكمته وعنايته من غير مباشرة . وأما الثانية فالمراد بها أنّ وقوفه عمّا خلق واكتفائه بما أوجد ليس بعجزه عن الزّايد وفتوره بسبب ما خلق من خلق ما سواه ، لأنّ العجز والفتور من جهة تناهي القوّة الجسمانيّة وانفعالها وتأثرها ممّا يمانعها في التأثير وهو منزّه عن جميع ذلك وأمّا الثّالثة فإشارة إلى كمال علمه وامتناع طريان الشّبهة عليه في مقضياته ومقدراته ، وذلك لأنّ الشّبهة إنّما تعرض العقل في الأمور المعقولة الصّرفة الغير الضّروريّة بصحبة الوهم ، لأنّ الوهم لا يصدق حكم العقل إلَّا في المحسوسات لا في المعقولات فيعارضه ويدخل الشّبهة عليه في المعقولات المحضة ولا يصدقه ، فالعقل حال استفصاله وجه الحقّ فيها يكون معارضا بالأحكام الوهميّة ، فإذا كان المطلوب غامضا فربّما كان في الاحكام الوهميّة ما يشبه بعض أسباب المطلوب فيتصوّر النّفس بصورته ويعتقد لما ليس بمبدء مبدء ، فينتج الباطل في صورة المطلوب وليس به . ولمّا كان الباري جلّ شأنه منزّها عن صحبة القوى المتعلَّقة بالأبدان التي رئيسها الوهم وكان عامه لذاته لم يجز أن يعرض لقضائه ولا لقدره وصمة شبهة أو يدخل عليه شكّ وريب ، لكونها من عوارض العقل المقترنة بها ، ولهذا قال : قضاء متقن ، وعلم محكم ، وأمر مبرم ، اى ليس في قضائه تزلزل وتلعثم ، ولا في علمه إمكان شبهة وتردّد ، وليس لأمره رادّ ومانع . الرابعة عشر انه تعالى هو ( المأمول مع النقم المرهوب مع النّعم ) يعنى أنّ العبد لمّا كان حال نزول البليّة وحلول النّقمة يستغفره سبحانه ويدعوه ويأمله ويفزع